أخر الأخبار

05‏/01‏/2019

مقال للصحفي منتظر الحسناوي بعد مرافقته للاعلام العسكري لسرايا السلام في جولة سامراء المقدسة





سامراء.. القصة الممنوعة

#حقائق_وخفايا
#دماءٌ_مخضَرةٌ

" هنا سقط الشهيد أحمد المنصوري .. وهنا صُرعَ صديقه .. وهنا سقط شهيدٌ .. وهناك دارتْ اكبر المعارك .. وبوقتٍ قياسي لم نخسر بها مقاتلاً قط ، كان التوفيق الالهي والعزيمة حاضرين فيها ".

هكذا يصف لنا المتحدث بإسم سرايا السلام صفاء التميمي وقائع المعارك في إشارة الى اماكنها وسط المناطق الزراعية وتلالها المتعرجة ونحن نسير بمحاذاتها بطريقٍ معبد يشقُ جانبها الايمن عن الايسر باتجاه بحيرة الثرثار ، واعمدة للكهرباء وفَرتها السرايا بتَمويِلها الذاتي ممتدة على طول الطرق واصلة للقرى والارياف المتناثرة في مساحات شاسعة يقولون : انها لم تكن موجودة قبل مجيء هذه القوات الى هنا.

كان يوما مليئاً بالاسرار والحقائق المغيبة للباحثين عن الحقيقة وسط الظلام الذي سرقها ، فكانت لحظاته سريعة ، يومٌ واحدٌ لا يكفي لكشفِ الحجم الحقيقي لهذه القصة ، كنا نجوب بسياراتنا وسط القرى والارياف المحمية من السرايا ، لم نتمكن خلالها الا زيارة عدد من العلامات والثكنات.

يبدو أن الصورة أكبر من أن نصفها ببضع كلمات ، من لا يتلمسها عن قرب ويعيش وجودها في السهول والهضاب والتلال والمناطق الشاسعة  المحمية تماماً من غارات الإرهاب يجهل قدرها ويظلم نفسه بها حين يبخس حقها او يصورها من عندياته العاطفية او الفكرية ، فكثيراً ما نرى ونسمع بتقزيم أهمية وجود هذه القوات التي يعلوها شعار السلام والحمامة البيضاء والتقليل من ثقلهم في كثير من صفحات " السوشل ميديا " سواء كانت بدافع سياسي براغماتي أو جهل معلوماتي أو جيوش الارهاب الالكترونية الذين أحبطت نواياهم الشريرة بحواجز الـ 11 الف شاب  يحمون سامراء والمدن المرتبطة معها كالصقور بكل جهات المدينة الاربعة.

من بغداد إلى نقاط وجودهم وانتشارهم شباب يعلو وجوهم سيماء السماء واخرى تعلوها شيبة بيضاء ، صورة لا يبيعها هؤلاء بالاموال مهما كان الثمن ، فلا يستطيع كبار رساموا العالم من صناعة مثلها ، وجوهٌ مستبشرةٌ في أعينِ من يمر على طريقهم وثكناتهم ، تماماً كالقرى او أهل المدن الذين يبحثون عن من ينزل بيوتهم فيكرمونه ، فكأن هذه السواتر والحفر الترابية والمواضع التي يمسكون هي منازلهم والمناطق التي يحرسونها وعلى امتداد البصر هي اراضيهم ، فتجد الناس التي هُجرت ونُزّحت  ثم تكفلت السرايا بعودتها بعد ما وفرت الأرضية الآمنة المناسبة وامنت مناطقها ، وجدناها عاودتْ من جديد تحرث أرضها وتحصد ثمارها مع وجود المقاتل يراقب ويحرسها متحملاً الأخطار مبتعداً عن الأمصار لا يقيه من برد الشتاء وحر الصيف سوى سقوف بسيطة ، اضع نفسي قبالهم استكثر حتى وجودها وهي تتنعم بعيداً عن ما يعيشون من اجواء استثنائية ، يفترشون السماء لحافاً والبندقية سلاحاً مع كل ظروفهم واحوالهم المتواضعة ، بنفس الوقت استذكرُ الأقلام والاوصاف التي تنال منهم في محاولة لاطفاء النور الذي تتمتع به تلك المساحات حيث يحمون.

#القصةلمتنتهي
يستمرُ التميمي مستذكراً قصص المعارك والشهداء وبينما هو كذلك ، انظرُ الى الاماكن التي يشير اليها وهي تحتضن دماء المقاتلين الذي سقطوا فيها فانبتت الارض وصارت مَخضرةٌ بانواعِ العشبِ وكأن تلك الدماء كانت ماءً انتشلها من جفافها الابدي ، واسقطت معها احلام الساقطين من على جانبي الطريق في لعبة دولية واقليمية ارادوها ان تتحقق هنا ولم يدركوا ان كل قطرة من دماء العراقيين تسيل هناك هي نبات يخضر بدلاً من آثارهم الصحراوية والرمادية التي احرقت الشجر ودمرت الحجر ، فنلمحُ عبر نوافذ السيارة فلاحو هذه الاراضي منتشورن فيها هذا يزرع وذاك يحرث واهالي المناطق  يسيرون بسياراتهم بجانب العجلات العسكرية لسرايا السلام وعندما يمرون على نقاطهم العسكرية يتبادلون اشد التحايا يظهر من وجوههم الشعور بالسلام والحب نتيجة العلاقة الطيبة التي تكونت فيما بينهم .

يرادفني الاخ حسنين وهو من ضمن الزملاء الذين رافقونا بهذه الجولة وبحكم عمله الاداري في سرايا السلام ومعرفته بطبيعة تلك المناطق ، بالقول ما ترونه ليس شيئاً استثنائياً فهؤلاء الجنود يعتبرون هذه المناطق وسامراء بمثابة بيوتهم فيحافظون عليها كما يحافظون على اهاليهم ويخشون اي ضرر او ضرار يحصل عليها او على ساكنيها ملتزمين حد النخاع بالاوامر الشديدة التي تصدر من قيادتهم المتمثلة بالسيد مقتدى الصدر في حب الارض والوطن من أجل الانسان ، يستمر بالقول : كان احد القادة من السرايا لم يأل جهداً من اجل ان يصنع الحياة هنا حتى انه اصر على البقاء لعدة اشهر ولم يفارقها من اجل رؤية اهله وزوجته في احد المحافظات الجنوبية وهذا ما ينطبق على اكثرهم ممن لا يتقاضون راتباً ازاء خدماتهم هذه.

وصلنا إلى أبعد نقطة بقرب بحيرة الثرثار ، إذ فقدنا فيها الاتصال بشبكات الهاتف المحمول ، قالوا لنا هذه المناطق لا يوجد فيها تغطية ، فبحسب قول احد المرافقين لنا ، أن زملاءه من السرايا حاولوا نصب ذاك العمود وأشار إليه في قمة جبل بجوار ثكنة عسكرية مطلة على بحيرة الثرثار في محاولة منهم لإيجاد الشبكة المفقودة عسى أن يوفروا نقطة إتصال مع أهليهم إلا أنها عاجزة عن توفر ما مطلوب منها ، فكرت كيف يواصل هؤلاء المرابطون هنا ولمدة أيام طويلة متواصلة بعيدون فيها عن الاتصال بزوجاتهم وأطفالهم واهليهم.؟!

#حواجزٌ_بشريةٌ
قرابة أحد عشر الف عنصر من سرايا السلام هو العدد الذي يغطي مساحة تقدر بحوالي آلاف الكيلو مترات من قرى واقضية وحدود مدينة سامراء ، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الاخرى في بعض المناطق ، هذه القصة تتجسد في الارض المخضرة بانواع المزروعات مع الأهالي الذين ينعمون بخيراتها في ظل حواجز الصد البشري التي تقيمها هذه السرايا منذ 5 سنوات ولحد الآن ، قدمت خلالها العديد من الضحايا بين جريح وشهيد.

سور بشري عظيم يحيط مدينة سامراء فمن جهة غربها إلى بحيرة الثرثار بمئات الكيلو مترات وجزيرة سامراء الشاسعة والمساحات الزراعية الخضراء الشاسعة مروراً بالجهة الشرقية من المدينة والشمالية والجنوبية بمئات الكيلومترات كلها مؤمنة فاتحة ذراعيها لأهلها إذ يعيشون بسلام تحت ظل هذه القوات النادرة الوجود.

لا يتقاضون ازاء وجودهم هذا راتباً لكل عناصرهم بل يتقاسم بعضهم الراتب الذي يمنح لمجموعة  منهم واخرون يستثمرون وقت اجازاتهم للعمل في بعض الخدمات او اعمال البناء من اجل التزويد بها كاُجور نقل ومصاريف شخصية لرحلة الموت المقبلة دفاعاً عن سامراء واهلها والمناطق المحاذية لها ، فعلى مدى قرابة 5 سنوات لم يمضي اسبوع أو أقل إلا ويتعرضون إلى هجوم عنيف من الدواعش لينتهي بمجموعة من الشهداء وقتل المهاجمين في هجمات يستخدم داعش خططه التكتيكية ومناوراته المتغيرة واسلوبه المفاجئ ، وفي كل مرة ينتهي بالفشل نتيجة الصد المنيع وخطوط الدفاع المتينة التي تقيمها السرايا على طول حدود سامراء وخارج حدودها الإدارية.

#الرحلة_مستمرة
ونحن نسير في شوارع وطرق الواحات الخضراء نلوح للمقاتلين المنتشرين بثكناتهم عبر نوافذ السيارات ، بالتحية ، فيردون لي وللآخرين بأحسن منها ، فرحون مستبشرون ، نشعر باللاقيمة ازائهم وعند لقاؤنا معهم نخاطبهم بلغة الخجل والتقصير والقصور فيقولون زيارتكم هذه تكفي.

تسائلتُ في نفسي وانا أرى نبض الحياة التي تعيشها هذه المناطق ماذا لو لم تكن هذه السرايا موجودة هنا ، ماذا سيحل بها من كوارث وازمات هل ارى الآف الدونمات الزراعية كما هي الآن تعيش حياتها بعيداً عن لغة الكراهية والحقد والعنف وعن التهجير والتخريب وبعيداً عن عمليات الابتزاز والسرقة التي فعلتها بعض العناصر في مناطق مختلفة من سامراء وهو ما حدى بالاتفاق على بقاء سامراء فقط للسرايا وهذه حقيقة لا يعرف عنها الكثير لا بد من ذكرها وتوثيقها ، فالباحث والصحفي انسان مستقصي يميل لفكرة ما لكنه لا ينتقص منها او يجملها فوق ما تستحق.

#للقصة_بقية
قاربت الرحلة نهايتها ونحن نتجول سريعاً في عدة سيارات نجوب المناطق الشاسعة ذات المساحات المخضرة حتى في اعلى التلال والهضاب فجميع الاجزاء تتنفس ما دام هناك رجال يتنفسون ويشعرون بحبهم لوطنهم واهله وعرضه ، يمدون بعطائهم هذا بعزم قائدهم السيد مقتدى الصدر كما هو واضح من احاديثهم ، ولا زلنا نبحث عنم مزيد من القصص والروايات التي سمعناها ، فكنت واحداً من اولئك الذين يبحثون عن صدق روايات قرأتُها عن الحب في الوطن والطاعة لمن يتبع البلد ويعشق الدفاع عنه ، وجدت ذلك عندما صعدت اعلى قمة من تلة تتوسطها نقطة عسكرية مراقبة مطلة على سهل مسيطر على المناطق المحاذية لها تقع  على بعد اكثر من 50 كيلو متر شمال وشرق مدينة سامراء ، اذ كان ينتظرنا هناك قائد ميداني اسمر البشرة مع جنوده في اعلى هذه التلة ليعطينا صدق ما كنا نبحث عنه من تلك الروايات ، نتجمهر حوله وجنوده نستمع الى جزء من حياتهم المليئة باحاديث الصبر والايثار والتضحية ، يذهب شارحاً اهمية وجودهم الاستراتيجي هنا وكيف انهم يصدون الهجمات والغارات وعناصر داعش المتسللون ، مذكراً باهمية المضي بالضوابط والتعليمات التي يضعها قائدهم في برنامجه الانساني والعسكري الموجه اليهم ، كاشفاً عن العلاقة والطاعة بين القائد والمقود ونتائجها في حب الوطن والايثار من اجله ، فكم من الحب والعشق الروحي متوفر هنا بين سهول وتلال سامراء ، فتذكرت مقولة للصحفي اللبناني الدكتور سامي كليب عندما يقول " نقتل الحُب في اوطاننا ، ونذهب للبحث عنه في اوطان الآخرين " ، ونبحث عنه كذلك في الكتب والروايات الوهمية ونتركه في تراب اوطاننا ودماء ابطالنا ، لا اخفي سراً عن نزول دموعنا نحن المستمعون لحديث هذا القائد والناظرون لهذه الصورة المتجمعون حولها.

#مع_الغروب
يسدل النهار ستاره ويبدأ الليل بالتجوال ، فيغفى الناس ويبقى هؤلاء المقاتلون يحرسون اعينهم لئلا لا تفزع من شر وحش ارهابي مظلم يحاول التنغيص عن راحتهم التي وفرتها السرايا هناك بالاشتراك مع صنوف الاجهزة الامنية في مناطق محددة، فحقيقة حجمهم تكشف عن ثقل الاعباء التي يتحملونها.

قررت ُ هذا العام ، أن اوثق ما يجري من قصة عشق للوطن في سامراء اذا ما سمحت لي الظروف في التواجد لايام هناك حتى اكون بين المقاتلين والاهالي ، لأتحدث مستقبلاً في نصوص يضمها كتاب يحكي قصة مجهولة جهلتها القنوات التي تبحث عن القصص الانسانية وأفلام الاثارة والعشق ، لعل اطفالنا يوماً ينامون على وقع قصة حب تجسدت في السني والشيعي والعراقي ، بعيداً عن انفاق الوديان المظلمة التي يحفرها السارقون والارهابيون ليلاً نهاراً من اجل تشويه الصورة وحجب نورها ، عسى وان نصنع امة ناصعة يعيش بظلها الانسان العراقي على وسادة ناعمة.

#سر_الوجود
فهذا المساحة التي اصبحت رمزاً للسلام ومنذ احتلال داعش لمجموعة من المدن ، لم يجرأ داعش على دخولها والعبث في أمنها بعد أن اسرعت السرايا لحمايتها وصد الغارات عليها ، حتى صارت غصة كبيرة وحسرة على الإرهاب بل حتى على الإرهاب السياسي الذي لايستسيغ هذا السلام المتوفر في سامراء.

حتى صارت السرايا عنواناً تطبيقياً للسلام والمحبة في نفوس طبقات المجتمع السامرائي الذي رفض  انسحابها بعد الإنتهاء من معارك التحرير الأخيرة وهو ما دفع بالسيد مقتدى الصدر ان ينسق مع  الاجهزة الامنية هناك على إبقاء السرايا لمدة غير محددة لدرء الخطر المستمر عليها ولتدمير أي محاولة طائفية سياسية محلية وإقليمية ودولية جديدة تكون سامراء الجميلة مركزاً لانطلاقها كما حدث عام 2006.

كما رفض أهالي سامراء الدعوات السياسية التي تطالب خروج سرايا السلام من مدينتهم ، مع العلم أن أي هدف سياسي أو انتخابي لسرايا السلام أو الجهة التي تدعمهم لا وجود له في سامراء إطلاقاً ، بل همهم هو المحافظة على الصورة العراقية والفسيفساء الجميلة التي تكونت بعد نهر من الدماء العراقية  أعطي هناك  ، فنجحوا بالمهمة بالرغم من أنظار المشاريع التقسيمية والطائفية المدعومة خارجيا والتي  تصبوا إليها كما هو هدفها تمزيق كل مناطق العراق ، هذه المحاور لا يروق لها أن يستمر الشيعي والسني و المسيحي العيش في بوتقة واحدة ، ولا يروق لها هذا التكاتف العراقي ولاتستسيغه بعد أن اهدرت ملايين المليارات من أجل تهديم المجتمع وتمزيق نسيجه الوطني. 

كُتبَ بالحُب
5/1/2019
منتظر كتاب الحسناوي


  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: مقال للصحفي منتظر الحسناوي بعد مرافقته للاعلام العسكري لسرايا السلام في جولة سامراء المقدسة Description: Rating: 5 Reviewed By: حميد حيدر
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.