أخر الأخبار

03‏/01‏/2016

أحكام الجهاد … في فكر الشهيد الصدر (قدس سره) الانتصار في الجهاد . " سرايا السلام إنموذجاً "


بقلم : الاستاذ محمد العتابي
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾
يشير الله عزَّ وجلّ في هذه الآية إلى عوامل النصر الحقيقية في القتال، وهي عبارة عن الاستقامة، والثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر، والطاعة لله والرسول، وتجنّب النّزاع والشّقاق، والصّبر على تكاليف المعركة، والحذر من البطرِ، والرياء، والبغي .
فالجهاد كإي شيء آخر ، يكون بإرادة الله وقدرته ، وأن أستعمل الفرد فيه إرادته واختياره . وهذا صحيح فلسفياً . فإن لكل شيء نسبة إلى الله سبحانه ونسبة إلى العباد . وليست النسبة متمحضة للعباد كما نتخيل بحسب ظاهر الحياة الدنيا . قال تعالى ( فلمْ تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليُبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً إن الله سميعٌ عليم )        وكما يكون بدء الحرب بمشيئته سبحانه وتعالى ، كذلك تكون نهايتها بيده عزّ وجلّ قال سبحانه  ( كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ) وهذه الاية وإن كانت خاصة بالظالمين إلاّ أنه يعم كل حرب من باب التجريد عن الخصوصية فقهياً ومن باب شمول القاعدة فلسفياً وكلامياً .
ولاشك أن المرتكز لدى الفقهاء عموماً , أن الجيش المسلم المجاهد بالجهاد المقدس منتصر دائماً , لا يمكن أن يندّحر بأي حال , أو أن يفشل في جهاده بأي حال. ولعل أول دليل على ذلك  هو أنهم لا يذكرون في كتبهم حين يتعرضون لأحكام الجهاد وتفاصيله, لا يذكرون أية مسألة تتضمن احتمال ذلك بقليل ولا بكثير . فلماذا كان ذلك الانتصار ؟ وكيف يصح لهم ذلك؟ مع أننا نرى الحروب دائماً كموج البحر قابلة للزيادة والنقصان والإنتصار والخسران .
والوحيد الذي أجاب عن ذلك هو شهيدنا الصدر (قدس سره الشريف ) في كتابه فقه الاخلاق قائلاً :
 وجواب ذلك يمكن أن يكون على عدة مستويات :
المستوى الأول : إنه في الإمكان القول: إن الجهاد المشروع حقيقة في الدين , لا يكون بين يدي الإمام المعصوم ولم ولن يكون مع غيره .وذلك على احد وجهين , يمكن إلتزام أحدهما في الفقه :
الوجه الأول : أن نقول في الفقه , بعدم مشروعية  الجهاد إلا بين يدي الإمام المعصوم فإذا لم يكن القائد او الآمر به معصوماً . لم يكن الجهاد مشروعاً بل كان عملاً اعتدائياً محرماً.
الوجه الثاني : إننا إذا لم نقل في الفقه بذلك وعممنا الجواز إلى غير المعصوم , فإنه يمكن القول إن الله تعالى لا يوفر موضوع الجهاد المقدس وشرائطه الشرعية , تلقائياً بين البشر , إلا في زمان يكون فيه الإمام المعصوم موجوداً .ومن ثم سيكون الجهاد بقيادته أيضاً .ولن يكون غيره قادراً عليه وإن جاز له نظرياً.
 فإذا تّعين أن يكون القائد هو المعصوم عليه السلام , اندفع ذلك الإشكال .لأن قيادة المعصوم وتعاليمه ,مسددة من قبل الله تعالى .ولا يمكن أن نتصورها فاشلة أو مندحرة , بل الأمر أكثر من ذلك .فإن أعماله وتطبيقه الفعلي للجهاد مسدد أيضاً ومنصور بإذن الله تعالى.
المستوى الثاني : إن الجهاد ضمن تحقق موضوعه وشروطه , إذا صادف قلوباً مخلصة ونفوساً طاهرة , فإنه سينتصر لا محالة , إلا أنه من النادر وجود أمثال هؤلاء المخلصين الكاملين ,ولكن لو فرضنا وجودهم بعدد كاف, فسيكون الجيش منتصراً لا محالة مهما كان الثمن .ومنه قول بعضهم مما نقله القرآن الكريم :" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ".
وقوله تعالى :"وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله  وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين  وما كان قولهم إلاّ أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" .
فالمهم أن يكونوا ربيين أي إلهيين منسوبين إلى الرب سبحانه وتعالى , وهؤلاء لا يكونون إلا صابرين ومحتملين لكل أنواع الأذى في سبيل الله سبحانه ,وناصرين لله سبحانه , وقد وعد الله بنصره ممن ينصره .قال تعالى: " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " . ومن ثم فهم منتصرون على أي حال.
المستوى الثالث: إن الجهاد المقدس الحق ,موضوع تحت عناية الله تعالى ومحروس بعينه التي لاتنام , ولذا فهو ينصره بالملائكة ,كما قال تعالى :" إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ألآف من الملائكة منزلين ، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ألآف من الملائكة مسومين .وما جعله ألله إلا بشرى ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم , ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين" .
كما أن هناك أساليب أخرى من العناية بالمحاربين أشار إليها القرآن الكريم ،كإلقاء الرعب في قلوب الكفار وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين ورؤية الجيش المعادي قليلاً.
بل قد يصل الحال , إلى ما هو أكثر من ذلك , بإعمال المعجزة إذا لزم الأمر ,وتوقف عليها وجود الحق, كتوقف الأسلحة عن القتال أو هلاك بعض الظالمين وغير ذلك.
المستوى الرابع : إن الجهاد المقدس, يكون ضد الكفار والمشركين .وهذا الصنف من الناس وإن كثروا, وظهروا للآخرين بالعدد والعدة والقوة والشدة ,إلا أن قلوبهم خاوية ونفوسهم ساقطة.
وأوضح دليل على ذلك : أنهم أهل دنيا وطالبون لنتائج الدنيا ,فإذا وضعوا في جبهة الحرب ورأوا الموت رأي العين, انهارت عزائمهم وخاب ظنهم وفألهم وتأسفوا على دنياهم وعلى اهدافهم المقطوعة . بخلاف اهل الحق, فإن هدفهم إرضاء الله تعالى وثوابه وحسن النجاة في الآخرة .وليس همهم الدنيا بما فيها وبمن فيها ,وهم مقبلون على الموت بقلوب صابرة ونيات صادقة .
كما قال الله تعالى :" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " وقال تعالى :" إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ".
وقال سبحانه :" لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون .لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون .كمثل الذين من قبلهم ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ".
وقال تعالى :" وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم."
وإذا كانوا كأنهم خشب مسندة وجبناء لأنهم (لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من  وراء جدر )  ولو كانو شجعاناً لقاتلوا وجهاً لوجه ,وإذا كان "بأسهم بينهم شديد" , لأنهم مختلفون على أمور دنياهم ومتناصرون على مصالحهم الشخصية ,إذن فلا أمل من انتصارهم  وكل الأمل منحصر بانتصار الجيش الإلهي المسلم.
المستوى الخامس : الإتصال بالله سيحانه في عالم الروح وباطن النفس .والله تعالى لا يخيب عبده إذا كان على هذا المستوى وذلك في عدة أمور .
الأمر الأول: حسن الظن بالله تعالى ,وأنه سيكتب لهم النصر والله تعالى عند حسن ظن عبده كما ورد .
الأمر الثاني : حسن التوكل على الله سبحانه ,ومن توكل على الله فهو حسبه ,وإذا كان الله حسب عبده أعطاه ما يريد .
الأمر الثالث: حسن الذكر لله عز وجل .وهو جل ذاكر الذاكرين كما في الدعاء ,وكما ينص عليه القرآن الكريم :" فاذكروني أذكركم " .وإذا ذكر الله عبده آتاه ما يريد.
الأمر الرابع : البراءة من الحول والقوة ,وإيكال كل ذلك إلى مسبب الأسباب ,وذلك بمنطق الحكمة التي تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
المستوى السادس: حسن التخطيط من قبل قيادة دقيقة رشيدة .فهم لا يبؤون الحرب ما لم تكن هناك مبررات واقعية محسوسة للإنتصار .والمهم أنه إذا كان التخطيط دقيقاً والإلتفات إلى الأمور عميقاً , فمن المناسب جداً أن يكون الفوز للجيش المقاتل لا محالة , حتى لو تنزلنا عن المستويات الخمسة السابقة.
 والأهم من ذلك إمكان بل فعلية اجتماع كل هذه المستويات , فيكون الإنتصار في ذلك الحين قطعياً .ومن هنا لم تتخلف ولم تندحر غزوة ولا واحدة ,من غزوات الرسول بل كلها كانت منتصرة وظافرة بعون الله سبحانه.كما أن حروب أمير المؤمنين عليه السلام التي خاضها بعد الرسول كلها كان هو المنتصر فيها  وجيشه هو المتقدم على خصمه.


بل الأمر بقي مستمراً على ذلك ردحاً طويلاً من الزمن , بالرغم مما اختلط به الفتح الإسلامي من مطامع دنيوية , إلا أن روح التقدم النبوي كان مخلوطاً بأرواحهم ونفوسهم فكانت الغزوات منتصرة باستمرار.
ومصدّاقنا لهذه الارواح والنفوس المحمّدية في هذا الزمان هم الابطال المجاهدين  من سرايا السلام الذين طبقوا كل ما قاله الشهيد الصدر (قدس سره) ببعض من هذه المستويات فكانت أنتصاراتهم كثيرة وفتوحاتهم للمناطق المحاصرة بدقة عالية بدءاً من (سامراء المقدسة) و(آمرلي الصمود ) و(جرف النصر) وختماً بمنطقة ( الاسحاقي ) و (الكّرمة ) وتمهيداً للدخول بتطهير الانبار بإذن من الله تعالى . نسأل الله القدير أن يحفظهم ويُسددّ رميتهم وينصرهم على الاعداء بحقِ محمدٍ وال محمدٍ  …
والحمد الله رب العالمين
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: أحكام الجهاد … في فكر الشهيد الصدر (قدس سره) الانتصار في الجهاد . " سرايا السلام إنموذجاً " Description: Rating: 5 Reviewed By: الاعلام العسكري لسرايا السلام
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.